محمد راغب الطباخ الحلبي
355
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
يفهمه القريب منه والبعيد عنه ، وعند تقريره الأحكام الشرعية يعيدها ثلاث مرات لترسخ في أذهان السامعين . وله في أثناء درسه تطورات وشطحات في الكلام تخرج تلك الكلمات منه من فؤاد مليء علما ومعرفة باللّه تعالى ، وقد سمع منه غير مرة أنه ما سأل اللّه شيئا إلا أجابه ولا دعا على أحد إلا وانتقم منه بموت سريع أو غيره . ويبقى في درسه هذا إلى أن ينادي المؤذن بصلاة العصر ، فيصليها ثم يذهب إلى بيته فلا يخرج منه إلى الصباح . أحواله وأخلاقه : كان رحمه اللّه ملازما للعزلة إلا في أوقات الدروس ، لا يزور أحدا من الأمراء ورجال الدولة العثمانية وصدورها العظام ، بل كانوا هم الذين يتقصدون زيارته للتبرك به ، وكانوا يؤمون دروسه الإرشادية ويقعدون فيها كآحاد الناس ، وقل أن يقبل زيارتهم . وحدثنا عن رشيد باشا الشرواني الصدر الأعظم لما أتى إلى حلب واجتمع بالشيخ بعد جهد أنه قال : لقد حضرت مجالس الملوك كثيرا فلم أر في جميعها ما رأيته في مجلس الشيخ من الخوف والمهابة والجلالة . وحدثنا بمثله عن نامق باشا لما مر بحلب قاصدا بغداد أو عائدا منها إلى الآستانة . وكان شاه العجم مر بحلب وحضر درسه ، ثم طلب مقابلته ، فبعد جهد حتى أذن له بذلك فقال له وكان واقفا أمامه وقفة الخاضع الخاشع : أسمع أن العجم قوم شيعة مع أن عندهم علماء ، فهل تشيعهم مجرد تعصب أو هو مبني على دليل ، فكيف اعتقادكم ؟ فخاف الشاه من الجواب وأن يدخل في البحث مع الشيخ ، فقال له : يا سيدي نحن عائلة الملك من أهل السنة والجماعة ، وأنكر تشيعه بتاتا . وكان الشاه يطلب الاجتماع بعالم مجتهد ، فأجيب : ليس عندنا عالم مجتهد بل إنما لدينا عالم مشهور وهو فلان . ولما كان جودت باشا واليا على حلب أخذ عنه الحديث بعد وسائل متعددة ، ودعاه إلى ضيافة عملها في رمضان ، ولم يجب إلا بعد جهد ، ولما حضر وضعت الشوربا أولا على العادة المتبعة ، فتناول منها لقيمات ، ثم قاموا إلى صلاة المغرب ، وبعد أن فرغوا منها كلفوا إلى المائدة ثانيا فقال : أما تعشينا ، فأعلم أن هذه مقدمة لأجل الإفطار ، فقال :